
كيف ننساكَ ودماؤكَ لم تجف بعد ؟
كيف ننساكَ والمجرمُ لم ينلْ عقابَه بعد ؟
بيار، رفيقي بيار، رحلتَ عنّا على غفلة، بعدَ ظهر يوم ثلاثاء لن أقوى على نسيانه ما حييت …
كيف أنسى لحظة تلقّينا خبرَ استشهادكَ في العائلة عندما قرعَتْ جارتُنا البابَ لتقول "قتلوا بيار يا سميرة … قتلوا بيار يا ام طوني" وهي تبكي بحزنٍ غاضب.
للحظات، اعتقدتُ أنها تقصدُ ببيار أحدَ أقاربها. فطلبَت منّي والدتي أن أديرَ التلفازَ للتأكّد، ذلك بعد أن أعلمَني صديقي بشير بأنّ موكبَ بيار تعرّض لإطلاق نار في منطقة الجديدة… وما هي إلا دقائق حتى أعلنَ النائب سعد الحريري النبأ المؤلمَ من خلال كلمةٍ له أذيعت مباشرة على الهواء…
"استشهاد وزير الصناعة النائب بيار الجميل"... كان عنوانُ الخبر العاجل الذي بثّتْهُ المؤسسة اللبنانية للإرسال .
لم أصدّق الخبرَ.. وما زلت..
أهو واقعٌ .. أم حلمٌ.. أم إشاعة ؟
بيار الجميل شهيد ؟ كيف ؟ لا لا غير صحيح !!!
مرّت ساعة ٌعلى إعلان الخبر وبدأت المحطاتُ التلفزيونية ببثّ تداعيات الجريمة لأتأكّدَ شيئًا فشيئا أنّ بيار رحل... كم تمنيتُ أن تكونَ مصابًا.. أو أنّهم تمكّنوا من إسعافكَ بعد وصولكَ إلى المستشفى. لكنّ الواقعَ كان أقوى من أمنياتي وأمرّ منها.. غيرَ أنّني ورغمَ كلّ المؤشرات من حولي التي تثبتُ العكس، بقيتُ مؤمناً أنكَ ما تزال حيًاً..
شارفَ الثلاثاء على الانتهاء والوضعُ على حاله !!! كَم انتظرتُ حينها أن أسمعَ خبرًا عاجلا ينفي ما تناقلتْهُ وسائلُ الاعلام ويعلنُ أنّ "بيار نجا من حادثة الاغتيال وهو بصحة جيدة الان".. طالَ الانتظارُ حتى غفوتُ على صدى الحدث: "استشهاد بيار الجميل وزير الصناعة"..
جاء الاربعاء وشيءٌ لم يتغيّر بعد، بيار ظلّ غائباً، وأحدٌ لم ينف̗ الخبر… غريب ! هل هذا معقول ! هل هم جادّون ؟
بين التمنّي والواقع كان الواجبُ المهني يناديني وكان لا بدّ من بدء التغطية الاعلامية للحدث على الموقع الالكتروني الرسمي لمصلحة طلاب القوات اللبنانية وذلك بحكم موقعي كمحرّر فيه وقتها.
بكفيا تفتحُ أبوابها لاستقبال المعزّين، الشرائط البيضاء تلفّ ساحاتها، أمين وكريم يقفان في صالون القصر لتقبُل التعازي، جويس ثكلى على ابنها البكر وإلى جانبها باتريسيا، أمّ أمين، شاحبة اللون بالكاد تستطيع الكلام...
ردودُ فعل كثيرة، استنكارات من هنا وهناك.. تحليلات عن تنفيذ العملية وشهادات.. مقرّبون من بيار.. غضبٌ عارمٌ في صدور الرفاق وغصّة في قلبي !!! تحاملتُ على نفسي طيلة اليوم الثاني واستمرّيت في التغطية وأنا أعيشُ في وقائع تضحضُ أمنيتي !!! هل أستسلمُ للأمر الواقع وأسلّمُ بالحقيقة ؟؟؟
حلّ يومُ التشييع والضغط ُيزدادُ أكثرَ فأكثر، نعشُ بيار يخرجُ من قرية بشير ويشقّ طريقه إلى ساحة الحرية، وسط حشود بعشرات الآلاف، مشهدٌ أقربُ إلى الحقيقة منه إلى الوهم والخيال الذي ظننتُني أعيشُه...
"عليك أن ترضخَ للواقع وتعترفَ بالواقعة، لقد رحل، كفى تعذيباً لضميرك فلا يمكنك أن تغيّر شيئا. أرجوك كفّ عن تعذيبنا نحن أيضا، فلا جواب لدينا".. هكذا ردّت كلماتي عليّ عندما طلبتُ منها التعبيرَ عمّا أشعرُ به في هذا اليوم... انتهت مراسمُ الجنازة، ألقى الرباعي كلماتهم في المناسبة، عاد الشهيدُ إلى حيث انطلق صباحاً ليوارى الثرى، فأدركتُ حينئذ جديّة الموقف، فلا عودة إلى الوراء أبدًاً...
كم تغيّرتْ نظرتي لشهر تشرين الثاني، ولعيد الاستقلال بعد استشهادكَ.. العيدُ مرّ العام الماضي كحدث أقلّ من عادي، وللمرة الثانية يبدأ هذا الشهر ولا أنفكّ أفكرُ بكَ ، وذكراكَ لا تفارقني ، فكأنه شهرٌ كُرّس لك . ورغم أنّني لم أعرفكَ عن قرب، ولم ألتق̗ بكَ شخصيا إلا مرة واحدة، وأذكرُها جيداً (يوم الانتخابات في المتن عام 2000 وتحديداً قرب المدرسة الرسمية في البوشرية)، إلا أنّ علاقة فكرية قوية ربطتني بك : كيفَ لا وقد كُنتَ تجسّدُ طموحاتي، وكنتَ مثالا لكلّ شاب طموح.. بكفاءتكَ دخلتَ الحكومة، وبعزمكَ وايمانكَ أحييتَ حزبَ الكتائب، فتفتحت الحياةُ من جديد في شرايين هذه الأم وعادت لتمارسَ الشأنَ العام، مربضَ خيلها..
ولكنّ السؤالَ باقٍ : هل فعلاً رحلت !؟!