

لم يفاجئني أبداً، وأقولها بالفم الملآن، أبداً، قول الجنرال عون "زيارتي إلى سوريا مجرّد تعارف، فالسوريون يعرفون الجميع في لبنان باستثنائي".. وذلك لاطلاعي الواسع على تاريخه الحافل "بعلاقاته" مع النظام السوري التي بدأت باجتماعاته مع المفوّض السوري السامي "حكمت الشهابي" (بمنزلة رستم غزالي زمن الوصاية) في مطلع الثمانينات في منطقة الدوّار قرب بكفيا ولم يكن آخرها زيارته الموعودة الى سوريا... ولن يكون !!
ومن يعرف كيف نشأ الجنرال عون منذ صغره، يفهم شخصيّته ويدرك أنّه إنسان متصارع مع نفسه، متناقض في مواقفه، غريب في تحالفاته، متعارض في رؤيته وأهدافه، منافق ومخادع .. يلهث وراء السلطة مهما كان الثمن، ولو على حساب كرامته.. فيفهم بالتالي سبب زيارته سوريا..
فمنذ أواخر مراهقته بدأ عون يعاني من اضطرابات نفسية جمّة لا نستطيع تحديد أسبابها وظروفها. والسؤال البديهي الذي يتبادر إلى الأذهان هو : كيف استطاع أن يدخل إلى المؤسسة العسكرية وهو في حالة نفسيّة وعقلية سيئة؟ والحقيقة هي أنّ انتماءه السياسي إلى التيار الشمعوني آنذاك، فتح أمامه الطريق للوصول إلى المدرسة الحربية و التخرّج فيها برتبة ملازم في الجيش اللبناني.. الأمر الذي ينكره هو، وذلك لأنّه يشرب من البئر ويرمي الحجارة فيها، ومن الوزن الثقيل !!!
والجدير بالذكر أنّ ميشال عون في تلك المرحلة كان يدخل إلى دير الصليب أكثر من مرّة في الشهر للمعالجة من أزمات نفسيّة حادّة يتعرّض لها.
وفي بداية الاحداث بين عامي 1975 و1976، اثضوى عون ( المسمى "رعد" وقتها) في صفوف القوات اللبنانية وشارك في معارك تل الزعتر، شأنه في ذلك شأن العديد من عناصر الجيش اللبناني وضبّاطه الذين هبّوا للدفاع عن مناطقهم في وجه التمدّد الفلسطيني. ونظراً لانتمائه الى التيار الشمعوني، فقد كان تعاطفه مع حزب الاحرار بارزًا وواضحًا. ففي العديد من الاحداث بين الكتائب والاحرار خلال عامي 1979 و1980 في مناطق الحدث وكفرشيما ووادي شحرور وعين الرمانة، تدخّل عون لصالح الاحرار ضدّ الكتائب. فعوض أن يكون حكماً بينهما، كان حريًا به أن يعمل على وقف الاقتتال.. لكنّه لم يفعل : وإنّما بات في أكثر من حدث يشكّل فريقًا يعمل ضدّ الكتائب بشكل عنيف وفاضح.
وفي الاحداث اللبنانية خلال الحرب، برز الجنرال عون في أكثر من مناسبة على أنه يسعى للوصول إلى رئاسة الجمهورية مهما كلّف الأمر، ودون أيّ حسّ بالمسؤولية أو أيّ تقدير لعواقب هذه الشهوة الجهنّمية والرغبة الجامحة والقاتلة للسلطة ! وقد ترجمت أطماعه الغرائزية أفعالاً شنيعة بحق المسيحيين كلّ المسيحيين، وبحق اللبنانيين كلّ اللبنانيين.
فحرب الالغاء التي شنّها المجنون عون على القوات اللبنانية لم تبدأ يوم الاربعاء 31 كانون الثاني 1990، وإن اشتعلت فعلياً في ذلك اليوم : فقد سعى لتحقيقها صيف 1984، ومهّد لها يوم الثلاثاء 14 شباط 1989.
وبعد ايعاز من السوريين بإبعاد العماد ابراهيم طنوس عن قيادة الجيش وتعيين ميشال عون خلفاً له في 23 حزيران 1984 مع علمهم المسبق بشخصيّة الذي اختاروه وأهدافه، كان على عون أن يرّد الجَميل للسوريين ويقدّم لهم عربون صداقة يمتّن العلاقة معهم، فوعدهم بالقضاء على القوات، هذا السدّ المنيع في وجه المشروع السوري في لبنان.. ومنذ ذلك الحين تكثّفت اجتماعات الجنرال عون مع المسؤوليين السوريين في الدّوار وعلى رأسهم حكمت الشهابي، بغية التخطيط لالغاء القوات وايصال عون إلى سدّة الرئاسة بعد انتهاء ولاية الرئيس أمين الجميّل، ليُحكموا بعدها السيطرة على لبنان.
فوضع عون خطة ً للانقضاض على المقاومة اللبنانية تقوم بشكل أساسي على عمليّة خاطفة تُشنّ على المجلس الحربي والحوض الخامس في مرفأ بيروت واحتلال مفارق بيروت الشرقية.. والهدف منها إلقاء القبض على القيادات القواتية واحتلال المجلس والغاء القوات. ولكنّ القوات اللبنانية برأسة فادي فرام حينها عرفت بمخطط عون في الوقت المناسب واتخذت التدابير اللازمة لتفشيله (ومنها أنّ قائد القوات كلّف أحدَ أصدقاء عون أن يبلّغه بانكشاف المخطط) ممّا جعل العمليّة مستحيلة النجاح وخاصة بعد انتفاء عنصر المفاجأة، فأ ُجبر عون على إلغاء ما رسمه.
غير أنّ الأمرلم يتوقف عند هذا الحدّ، فقد استمرّ عون بالتعبئة النفسية والمادية الكثيفة داخل بعض وحدات الجيش اللبناني ليتمّ تحضيرها ليوم المعركة الكبرى ضدّ القوات اللبنانية. ويأتي يوم الاثنين في 9 ايار 1988 ليحاول العماد عون أن يحقّق ما فشل في إنجازه سابقاً. فحاول الانتشار في شوارع " الشرقيّة " ومفارقها وبعض مناطق المتن للبطش بالقوات اللبنانية. ولكنّ القوات المصمّمة على المواجهة والدفاع عن مجتمعها، سبقت عون في الانتشار واتخدت الاجراءات الدفاعية المناسبة، ممّا اضطرّه للإنكسار والتراجع مرّة جديدة.
وهنا لا بدّ من الاشارة إلى محاولات أخرى قام بها عون و فشل من خلالها في إضعاف القوات أو إلغائها، ومن أهمّها: مشاركته في التحضير للإتفاق الثلاثي (وذلك نقلا عمّا جاء على لسان المرحوم ايلي حبيقة لوثائقي أحزاب لبنان) الذي أبصر النور مع رئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية آنذاك إيلي حبيقة في 28 كانون الاول 1985. وبحسب هذا الاتفاق، كلّف السوريون عون بحماية الاتفاق من الفشل وذلك بصفته قائداً للجيش يومها. وفي 15 كانون الثاني 1986 أسقط رئيس الاركان في القوات اللبنانية سمير جعجع الاتفاق السوري الثلاثي المرفوض من المجتمع المسيحي بغالبيته الساحقة، ولم ينجح خط الاتصال المباشر الذي مدّه السوريون للتنسيق بين مقرّ حبيقة في الكرنتينا ومقرّ عون في وزارة الدفاع، إلا بإرسال عون لحبيقة آليات عسكرية تسهّل خروجه من الكرنتينا إلى منفاه في زحلة.
ومن الدلائل الواضحة التي تشير إلى تعامله الفاضح مع السوريين وتؤكّده، كانت محاولته البائسة بتأخير تدخّل الجيش في أحداث 27 ايلول 1986 حيث قام السوريون بواسطة ايلي حبيقة بخرق المنطقة الشرقية عبر جبهة السوديكو-الاشرفية. ولكنّ التحرّك السريع للقوات اللبنانية بقيادة الحكيم وتولي الرئيس أمين الجميّل غرفة عمليات قيادة الجيش (بعد أن أدرك مماطلة عون في تنفيذ أوامره) أوقف الزحف السوري إلى المنطقة الشرقية وأعاد الإمساك بزمام الامور داخل الاشرفية، عرين المقاومة اللبنانية.
وجاء الظرف المناسب لتولي عون رئاسة الحكومة الانتقالية في 22 ايلول 1988، إذ كانت تصفية القوات ما تزال على رأس الاهداف التي رمى لتحقيقها. وللتاريخ أقولها، فقد تمّ تعيين عون عن سابق تصوّر وتصميم رئيساً للحكومة الانتقالية بهدف واحد فقط وهو القضاء على القوات اللبنانية. وفي تلك المرحلة، كان عون قد سافر إلى تونس ليمثّل لبنان في القمّة العربية، وقام ياسرعرفات برفع يد عون خلال القمّة بعد طلب الدول العربية وقتها بتصفية القوات كونهم يعتبرونها رمزًا مسيحيًا أصوليًا، مقابل وعدهم لعون بإيصاله لسدّة الرئاسة بعد أن ينفّذ طلبهم. وبالتالي أصبح النيل من القوات اللبنانية هدف العرب والسوريين على السواء.
ورتّب عون الامور بشكل سمح له في 14 شباط 1989 بتفجير الوضع، ولكنّ حكمة جعجع قطعت الطريق على عون ومنعته من تنفيذ مآربه القذرة. فذهب الحكيم يومها للقاء عون وإنهاء الصراع على الارض، فما كان من المجنون (وأقصد عون) إلا أن تصرّف بشكل منافٍ للأخلاق : فقد نصب كمينًا في منطقة جسر الباشا حيث كان الحكيم في طريقه إلى القصر الجمهوري للقائه، ذهب ضحيته سمير وديع، المرافق الشخصي للحكيم. ولم تكتف ِ العناصر التي نفذت العملية بالقتل فقط بل تعدّى ذلك حدود المنطق والعقل إذ أقدموا على ركل جثة الشهيد وديع تحت نظر الحكيم. وكلّ ذلك حصل بخطة مسبقة ومدروسة الاهداف من عون وحلفائه السوريين، في حين أنّ الحكيم كان يتحلّى بالإدراك والوعي والنوايا الحسنة والتضحية الكبيرة لوضع حدّ لما بدأه عون في 14 شباط، وانتهى فوق جثة الشهيد سمير وديع.. فالقوات خُلقت لتضحّي في سبيل بقاء لبنان.
ولم يكتف ِ عون بهذا القدر من الاجرام، فقد أعاد الكرّة وعلى نحو أشدّ عنفاً وشمولية ً في 31 كانون الثاني 1990 بعد حرب تحرير فاشلة كليّا، قوّت النفوذ السوري في لبنان ووسعّت مداه خاصةً بعد محاولته خنق حرية الاعلام والعمل السياسي. وعبثاً حاولت القوات اللبنانية بقيادة الحكيم إبعاد الكأس المرّة عن القوات والجيش والمجتمع المسيحي، فشهوة السلطة أعمت بصيرة ميشال عون فأدخلنا في الصدام الأعنف في تاريخ المسيحيين (أي حرب الالغاء). فدّمر المنطقة الشرقية وهجّر أبناءها، وقتل مئات الالاف منهم وشرّدهم، ليمهّد للسوريين تحقيق حلمهم بالسيطرة على المنطقة الشرقية واحتلال لبنان بالكامل.
في هذا الوقت، كان عون يحتلّ قصر بعبدا، ويرفض بشكل كامل التخلّي عن منصبه كرئيس لحكومة انتقالية، ممّا أدّى شكلياُ إلى مخالفة اتفاق الطائف الذي ينصّ في أحد بنوده على انتخاب رئيس جمهورية للدولة اللبنانية، في حين أنّ الخلفية الحقيقة لاغتصاب عون للشرعية كان خطة سورية توضّحت معالمها يوم 13 تشرين الاول 1990، وكانت تهدف بشكل علنيّ للاطاحة بعون الفاقد للشرعية، وضمنيّ لدخول المنطقة الشرقية التي حلمت أقدامهم دومًا بوطأتها عبر خطط سابقة لإلغاء القوات باءت كلّها بالفشل.
وطبعاً عزيزي القارىء أنت تسأل الان : ماذا جنى ميشال عون من تنفيذه هذه الخطة البديلة ؟ والجواب هو التالي: المال السوري كان التعويض الوحيد للجنرال عون عن عدم وصوله إلى الرئاسة الاولى، أمّن له ولعائلته ومعاونيه حياة رغيدة والعيش برخاء طيلة 15 عاماً في باريس، في الوقت الذي حُرمَ فيه من راتبه التقاعدي الشهري ومن تعويض نهاية الخدمة لاعتباره متمرّدًا على قوانين المؤسسة العسكرية.
ومع هذه النقطة ينتهي الجزء الاول من مسلسل العميل السوري ميشال عون، على أن نعود لاحقاً في الجزء الثاني والاخير للحديث عن مرحلة 1990-2005 بخباياها وأسرارها المشوّقة لاستمرار العلاقة بين عون وسوريا.